Iraqi Charity Forum
   أطبع هذه الصفحة


دع السياسة وابدأ العمل الخيري


في العام الماضي، وعندما كانت الانتخابات الأخيرة تجري على قدم وساق في العراق، كنت هناك، ورأيت بعض الجماعات السياسية تشتغل كخلية نحل في محاولتها الفوز ببعض المقاعد في البرلمان العراقي، وكان أعضاؤها يعملون بحماسة واندفاع ومثابرة وسعي حثيث قل نظيره، لقد كانوا في حركة دائبة وعمل مستمر ومتواصل من أكبر شخص قيادي إلى اصغر عضو أو مناصر. الجميع كان يعمل سواء من اجل توزيع اكبر كمية من الصور والملصقات الانتخابية للمرشحين أو من اجل تنظيم الأفراد وتجميعهم وتدريبهم وتوزيعهم على اللجان المشرفة على صناديق الاقتراع، وكان الكرم سيد الموقف لكل من يرغب بالعمل والتعاون. ولم يكن ذلك النشاط الدؤوب مقتصرا على جماعة او حزب معين، فالكل كان يسعى وبكل ما أوتي من قوة، كما لو خيل لكل فرد ولكل ناشط وعضو منشغل بالاعداد للانتخابات، أنه هو الذي سيصل الى المجلس الوطني وليس فقط قائد الحزب او التنظيم او الجماعة.
وكان ذلك مشهدا رائعا لا مثيل له في النشاط والحماسة والاندفاع والتحرك استمر متألقا حتى أجريت الانتخابات في الخامس عشر من كانون الأول عام 2005 . وهكذا أنتهى ذلك المشهد. لقد اسدل الستار وللأسف. لقد عاد الناشطون والمندفعون والمتحمسون بالأمس، الى بيوتهم وامكنتهم ومقراتهم وكأن المهمة قد أنجزت. ولا فرق بين من فاز حزبه أو خسر، الكل عاد الى سكونه وهدوئه وحياته الروتينية، فغابت الحماسة للوطن وانعدم الحراك الجميل، وتلاشت النخوة وفقد الاندفاع ومات التنافس ولم يرغب الفرد او الجمع بالعمل كما كان الحال قبيل الانتخابات.
وسرعان ما راودني سؤال كبير لم أنتظر كثيرا حتى طرحته على بعض أصدقائي وخصوصا من اولئك الذين لم يحالفهم الحظ بالفوز في الانتخابات ومن الذين كانوا بالأمس لا يهدأون ولا يفترون وأصبحوا خاملين ومتكاسلين، قلت لهم: اذا كنتم تعملون لأجل الوصول الى البرلمان من أجل خدمة الشعب العراقي حقا، فهذا هو الشعب العراقي ما يزال بأمس الحاجة للعمل والمساعدة، وبالتالي فمن الأفضل لكم أن تستمروا على نفس وتيرة النشاط والعمل والتحرك لخدمة الناس، في مشاريع مختلفة، حتى تنقضي السنوات الاربع التالية من زمن هذه الدورة الانتخابية، وعندها فإني سأضمن لكم نجاحا وفوزا حقيقيا في الانتخابات القادمة.
وقلت لهم: وإن لم تفوزا ببعض المقاعد فستفوزون بالمصداقية وبما تنجزون من خدمة حقيقية تأخذ بشعبكم نحو التطور والنجاح وهذا ما يريد تحقيقه نواب الشعب. بل ربما يكون بمقدور من هو خارج البرلمان العمل وخدمة الناس أكثر ممن هو في داخل البرلمان. ونحن نعرف ونرى الكثير من الناس ممن قدموا خدمات لشعوبهم أكثر مما قدمت وزارات متعددة في الدولة.
ثم ذكرتهم بالقول الشهير: " يا حميـــدان هـذا الميــدان "  كما ذكرتهم بالآية الكريمة: " إن هذا لهو الفوز العظيم* لمثل هذا فليعمل العاملون". والآية الكريمة الاخرى: " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا..." كما ذكرتهم بقوله تعالى: " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون". و " من كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا..."
وتكلمت كثيرا في هذا المجال كما تحدثت وجئت ببعض الأمثلة لإقامة وانشاء بعض المشاريع الخيرية الخدمية مثل القيام بحملات تطوعية لأجل تنظيف الشوارع وتعبيد بعض الطرق والأرصفة مما يعود بالنفع المباشر على الناس، وجئت بأمثلة أخرى كثيرة ولكن، وكما يقول المثل الشعبي العراقي: " اللي يحكي.. يحكي هندي، واللي يسمع من أهل الدريبات".
وقد تكون هناك أسباب كثيرة تكمن وراء هذا الخلل الجسيم الذي يمنع بعض المهتمين بالسياسة من مزاولة نشاطات حقيقية لخدمة الناس فعلا، ومن أهمها ربما حداثة التجربة السياسية لشعب لم يذق طعم المشاركة السياسية الحقيقية ولم يخض تجربة العمل الجماعي والمجتمعي لعقود كثيرة.
ولهذا فحين توجه سؤالا لسياسي او لمنشغل أو مشتغل بالسياسة، ما الذي يغريك ويدفعك للإنشغال بهذا الأمر؟ فإن سيقول لك، في الأغلب الأعم، إنه يريد خدمة شعبه ووطنه!
وكثير ممن يجيبونك بمثل هكذا جواب إنما هم صادقون فعلا، هكذا هو حسن ظننا بهم، لأنهم أخوتنا وأحبتنا وأصدقاؤنا، ونحن أعرف الناس بهم وبمنطلقاتهم ودوافعهم النبيلة والمخلصة، ومن العيب، بل من الخطأ، أن يتهم الناس السياسيين على أنهم طلاب جاه وسلطة، رغم أن الكثير منهم كذلك، قديما وحاضرا ومستقبلا، هكذا هو الكرسي الذي يستجلب الطيبين وغير الطيبين، المصلحين والفاسدين على السواء.
ولكن رغم أن الطيبين، من السياسيين، والمخلصين وأصحاب الدوافع النبيلة منهم يصدقون حين يؤكدون أنهم يعملون لأجل خدمة شعبهم و وطنهم، لكنهم قد يخطئون في اختيار الطريق الافضل لتحقيق ما يطمحون اليه.
ولتوضيح ما نقول دعنا نتساءل: من قال بأن باب السياسة هو الباب أو المدخل الصحيح والوحيد لخدمة الشعب والوطن خصوصا في وقت يكثر فيه المشتغلون بالسياسة ويزدحمون على أبوابها إلى درجة التدافع والتقاتل؟ ألا توجد أبواب وطرق وساحات عمل أخرى، غير السياسة، لخدمة الناس، وخصوصا، ملايين الفقراء والمحرومين والأيتام والمشردين والمعذبين منهم؟
وحتى لمن يعشق العمل السياسي ولا يجد نفسه الا في هذا المجال، ترى أليس المدخل الحقيقي للسياسة والقيادة هو خدمة الناس؟ أوليس المثل الشهير القائل:" خادم الناس سيدهم" هو أكبر مبدأ سياسي واقرب الطرق للوصول الى أعلى هرم السلطة والسياسة؟
والطامة الكبرى هي أن بعض الذين يحسبون أنهم يعملون في السياسة إنما هم في الحقيقة يعملون في واد بينما تكون السياسة في واد آخر. وكثير من هؤلاء " السياسيين" ليس له شغل إلا مطالعة الجرائد أو المواقع الالكترونية والقنوات الفضائية، ويبرع في انتقاد هذا وذاك من السياسيين والعاملين في الحكومة أو المعارضة ويحسب أن هذا يأتي في صميم العمل السياسي.
وفي الأخير نود أن نناشد كل السياسيين خصوصا من اصحاب الكفاءات، ونقول لهم: اذا كنتم تحبون أوطانكم وشعوبكم حقا، فتعالوا وانزلوا الى الميدان الحقيقي لتقدموا خدمة فعلية ملموسة للناس من خلال الانخراط في المبرات الاغاثية القائمة أو تأسيس مبرات وجمعيات ومؤسسات خيرية تتنافس على تقديم الخدمة وفي مختلف شؤون الحياة، خصوصا وأن العراق بحاجة الى عشرات ألوف المبرات الحقيقية التي تعمل على تضميد الجراح ورعاية الأيتام وكفالتهم وسد رمق الجياع وتشغيل العاطلين عن العمل واقامة المشاريع الصحية والخدمية وتنظيف الشوارع وتشجيرها وتعبيد الطرق والأرصفة ومحو الأمية الابجدية والثقافية، وعشرات بل مئات المجالات الحيوية الاخرى التي يحتاجها الناس في داخل العراق وخارجه.

وإذن.. دع السياسة، ولو إلى حين، وابدأ العمل الخيري الآن وليس غدا. فالبلد يعيش في ظل الحرب، والحروب تسبب مآسي وكوارث، والناس بحاجة الى عمل إغاثي عاجل وعلى مختلف الاصعدة الانسانية. ونأمل أن تبين لك المعلومات التالية مدى خطورة أوضاع النازحين على سبيل المثال:

تؤكد مفوضية الأمم المتحدة للاجئين أن عمليات الخروج الحالية، من العراق، تعتبر أكبر تحرك طويل الأجل للسكان فى الشرق الأوسط منذ نزوح الفلسطينيين فى أعقاب قيام إسرائيل فى سنة 1948، ويوجد الآن تقريبا نازح واحد من بين كل ثمانية عراقيين.

ويشير نداء المفوضية إلى أن نسبا كبيرة من العراقيين النازحين داخليا وخارجيا على السواء قد تجاوزت حدود الموارد أو على وشك تجاوزها، الأمر الذى يتركهم والمجتمعات المضيفة لهم فى خطر متزايد. وهناك روايات متزايدة عن إجبار النساء على ممارسة الدعارة وعلى تزايد مشكلات عمالة الأطفال. ويتضمن النداء برامج للتعرف على أكثر النازحين استضعافا وتسجيلهم حتى يمكن منحهم الدعم الذى يحتاجونه.
ففى سوريا، هناك حوالى 30 % من الأطفال العراقيين لا يلتحقون بالمدارس؛ و4% من جميع العراقيين عاجزون؛ وما يزيد على 10% من الأسر العراقية تعولها نساء.      
وتقدر المفوضية وشركاؤها أن هناك حوالى 1.7 مليون عراقى قد نزحوا داخليا وأن ما يصل إلى 2 مليون قد فروا إلى بلدان مجاورة من بين مجموع السكان البالغ 26 مليون نسمة. وبينما كان هناك كثيرون قد نزحوا قبل عام 2003، إلا أن أعدادا متزايدة من العراقيين يفرون الآن هربا من العنف الطائفى والعرقى والعام المتصاعد.
 وتقدر المفوضية أنه فى 2006 وحدها، فر حوالى 500 ألف عراقى إلى مناطق أخرى داخل البلاد، وأن 40 ألف إلى 50 ألف لازالوا يهجرون ديارهم كل شهر. ووفقا للأرقام الواردة فى خطط المفوضية بموجب أحدث نداء فإنه من المتوقع أن يصل عدد الأشخاص النازحين داخليا داخل العراق قبل نهاية هذا العام إلى 2.3 مليون.
وتشمل تقديرات العراقيين النازحين إلى دول مجاورة ما بين 500 ألف إلى 1 مليون فى سوريا؛ وما يصل إلى 700 ألف فى الأردن؛ وما يصل إلى 80 ألف فى مصر؛ وما يصل إلى 40 ألف فى لبنان. ويوجد فى تركيا عدد غير معلوم من العراقيين وكثير من هؤلاء الموجودين فى البلدان المجاورة كانوا أيضا قد فروا قبل 2003، ولكن هناك عشرات الآلاف لازالوا يفرون شهريا خاصة إلى سوريا والأردن.
كتب هذا المقال محمد علي الكاتب
  

أرسل إلى صديق
أسمك
اسم صديقك
إيميل صديقك