|
مشكلة الخلط بين ما هو سياسي وإنساني
ليس هناك عمل اكثر سرعة ونموا وبلوغا من عمل البر والخير، خصوصا ذلك الذي يهتم برعاية الأيتام والمرضى والمعدمين الفقراء، وهناك اليوم مبرات تأسست وتعملقت في غضون عقد او عقدين من الزمن، وأضحت واحة للخير والعطاء. ولكننا في نفس الوقت نجد جمعيات، او بالأحرى"يافطات" بائسة تحمل اسم وعنوان البر والعمل الخيري، ولكن اغصانها لم تورق ولم تخضر، وبالتالي لم تستطع الحياة، ولم تعرف النمو والاخضرار ولا العطاء المثمر، وإن بقيت تحسب عنوة على أقرانها من الجمعيات الحية. فما هو السبب؟
حين تفكر بأمر هذه المبرات الميتة أو المريضة، وحين تدنو منها قريبا لتطلع على أمرها، أو بالأحرى على أمر القائمين عليها، وحين تلتقيهم لتسألهم عن وليدتهم"جمعيتهم" وما عملته أو قدمته، ستجد أن هناك أسبابا كثيرة أدت بهم وبكياناتهم الى هذا اليباب والجفاف والانقطاع عن الحياة، وأهم تلك الأسباب هي: " عدم التركيز" والذي يأتي ويبنع، عادة، من "إنعدام الجدية".
كما أن بعض القائمين على العمل الخيري، حين تدقق في مسلكياته وتصرفاته بعض الشيء، تجد انه ربما يكون بحاجة الى "جرعة الاخلاص" لتداويه من جميع امراضه، بما في ذلك مرض العجز في عدم الحصول على اهل الخير والبر والاحسان الذين تمتلئ بهم الأرض بما رحبت.
عجيب أمر هذا " العمل الخيري" بمجرد أن تنعقد النية المخلصة وتتوافر ارادة التحرك ، وتتحقق الأسباب الموجبة لنجاح العمل، ينهال عليك أهل الخير من كل حدب وصوب. ويشبّه البعض من يعمل في مجال البر كمثل من يقف على كنز، ولكن شريطة أن يعلم انه يقف على كنز ومن ثم يتحرك للكشف عن هذا الكنز بكل ما أوتي من قوة.
يقول بعض الناجحين: إن اهل العطاء كثر لأن رحمة الله واسعة لا حدود لها، ولكن الفاشلين هم الذين لا يحققون في انفسهم الشروط الضرورية التي تؤهلهم لتلقي رحمة الله وعطاء الخيرين، تماما كالأرض غير المحروثة التي ينزل عليها المطر ولكن دون فائدة ترتجى.
ومن الأخطاء الفادحة الأخرى التي تنم عن عدم جدية، ولا نقول عن عدم اخلاص، أن بعض القائمين على العمل الخيري يخلطون بينه وبين العمل السياسي. بمعنى أن يكون العمل الإنساني واجهة او يافطة يستفيد منها السياسي لأجل تحقيق أغراضه السياسية، وليس بمعنى مساهمة المشتغلين في السياسة لدعم الأعمال الخيرية.
فالبعض يضع رجل في العمل الإنساني ورجل اخرى في السياسة، والنتيجة تكون مصداقا للمثل العراقي الشهير الذي يقول: " لا حظت برجيلها ولا خذت سيد علي". ذلك لأن العمل الإنساني، في طبيعته وأدواره، مغاير تماما للعمل السياسي. فالسياسيون يطمحون الى الشهرة ويتوقون للإعلام بينما اصحاب العمل الخيري ينبغي لهم التنكر لشخصياتهم والعمل خلف الكواليس كفدائيين من أجل تضميد الجراح واطعام المساكين في جنح الظلام.
ان الضرورة تقتضي السياسي لكي يقوم يطبع وتوزيع صوره، في الحملات الانتخابية، لأجل الفوز بمقعد داخل البرلمان، بينما المتطوع وصاحب المبرة لا يسعى الى الشهرة ولا إلى الوصول لأي كرسي أو منصب، وهو لا يلجأ الى الاعلام إلا بقدر التعريف بمبرته ضمن خطة اعلامية مبرمجة هدفها السعي للترويج عن خدمات المبرة للناس وكسب المحسنين ليس إلا.
ويخطيء البعض حين يظن أن خروجه المتكرر على وسائل الاعلام خوضا في قضايا سياسية لا طائل لها، أن ذلك سيجلب له سمعة طيبة واحترام جديرين يمكنانه من دعم مبرته ونشاطاتها، بينما هو لو كان قد صرف بعض وقته وجهده ذلك وركزه في العمل الانساني لكان قد وصل الى نتائج حقيقية كبيرة ونافعة. ثم ان الناس يعرفون التمييز جيدا بين من يطمح الى المكاسب السياسية وبين من يسعى لفعل الخير والعمل الصالح، لأن لكل من هذين الأمرين طريق واضح وبين يختلف ويفترق عن الآخر. ولهذا فقد يحصل السياسي على الشهرة ولكنه قد لا يحصل على ثقة الناس التي تمنحه العطاء الضروري لمشاريعه الخيرية.
وعادة فإن الناس يتوقعون من السياسي أن يجزل لهم العطاء ويقدم لهم الخدمات ويحل لهم مشاكلهم، بينما هم أنفسهم يسارعون إلى إغاثة ومساعدة ومساندة من يختص بالعمل الإنساني والخيري ويسهمون بإنجاح مشاريعه الخيرية. لأنهم وبفطرتهم وطيبتهم يعرفون أن السياسي، مهما سمت أهدافه ومنطلقاته، إنما جاء ليبني لنفسه ولحزبه مجدا، بينما عامل الخير جاء ليفدي نفسه من أجل الآخرين.
هكذا هي الصورة في أذهان الناس وهكذا هي في واقع الأمر في معظم الأحيان، وعلينا، كعاملين في الحقل الإنساني والخيري، أن نكون حذرين كي لا نقع في خطأ الخلط بين ما هو سياسي وبين ما هو عمل إنساني إغاثي.
وفي الأخير نكرر أنه لا مانع أبدا من أن يقوم المشتغلون بالسياسة في القيام بالعمل الخيري، بل هذا واجبهم وهذا هو ما يزكيهم وينفعهم كما ينفع أوطانهم وشعوبهم، وفي نفس الوقت فإننا نحذر المشتغلين بالعمل الإنساني من فقدان شهية وحب أعمالهم، والتطلع بشغف نحو بريق المطامع السياسية.
إننا نعتبر أن العمل السياسي الحقيقي هو العمل الذي ينجز خدمة حقيقية ملموسة للمجتمع، وهو حينئذ يعتبر عملا إنسانيا في جوهره بناء على قاعدة " سيد القوم خادمهم وخادم القوم سيدهم". فقط في مثل هذه الحال، يمكن للسياسي أن يشتغل بالسياسة بدلا عن الإغاثة والعمل الإنساني.
ولكن ولأن معظم هواة السياسة ليسوا كذلك، فلابد لهم من التوجه للعمل الخيري الذي ينفع الناس ويداوي جروحهم ويسد جوعتهم.
كتب هذا المقال محمد علي الكاتب
|
|